محمد سليم الجندي

18

تاريخ معرة النعمان

وإيراد الشواهد والنوادر ، ليتسلى ويصبر ، وهذا معنى التعزية ، ولكن رجال هذا الزمن صاروا كالنساء في أغلب عاداتهم ، فأخذوا هذه العادة منهن . هذه لمحة عن نظام الجنائز المفروض على الرجال ، وهو يزداد شروطا وقيودا يوما فيوما . وأما النساء ، فخلاصة نظمها ان الميت إذا مات ، نعينه بالولولة ، وذكرن شيئا من مناقبه الحسنة ، وكلما جاءت امرأة أو نسوة ، جددن النعي ، حتى يمتلئ الفضاء من أصواتهن ، ويزداد ذلك إذا قدم للغسل والتكفين ، وإذا أخرج من الدار ، ولا يخرجن إلى المقابر مع الرجال ، وإنما ينصبن خيمة فوق القبر يجلسن فيها بعد العصر ، ويسمعن القراء الذين يحضرون للقراءة مدة ثلاثة أيام ، أو أسبوع ، وبعد خروج الجنازة تلبس زوج الميت وبناته وأخواته وكنائنه ، أثواب الحداد ، ويقمن وليمة ، يدعين إليها خاصة الخاصة ، كما يدعو إليها الرجال خاصتنهم ، وربما أقام هذه الوليمة أحد أقرباء الميت ، ويسمونها تنزيلة ، وقد يقدم أحد الأقرباء في اليوم الأول والثاني والثالث في كل يوم مرة طعام الظهر أو طعام العشاء ، ويقدم غيره طعام وقت آخر ، وإذا لم يقم به أحد ، قام أهل الميت بذلك ، ونساؤه تدعين من يشأن إلى كل طعام . وبعد خروج الميت يجلسن في محل ، ويضربن بخمرهن السود أو البيض على جيوبهن ، ويجلسن صفا واحدا ، ويأتي النساء لتعزيتهن في وقت معين . فإذا جاءت امرأة ، أو نسوة ، قمن على أقدامهن تكرمة لها أو لهن ، ثم يجلسن جميعا كأنما على رؤوسهن الطير ، فلا تتكلم واحدة ، ولا تسعل ، ولا تتنحنح ، بل كأنهن خشب منصوبة ، ولا يطلن الجلوس ، فإذا خرجن من غرفة التعزية ، استقبلتهن طائفة أخرى من أقرباء الميت ، فيرحبن بهن ، ويدخلنهن غرفة ، يسقين فيها الدخان والقهوة ، وتدور بينهن أحاديث فيها من كل واد عصا ،